وعاد طاش لموعده ، وعادت معه معارك العداء وفتاوى التطهير والتعصب ، بعد عام من الهدنة والسلام، وكلما تابعت هذه المعارك ازددت قناعة بأننا مجتمع كاره للنقد ، يخاف الحقيقة ويحارب كل مصلحٍ تسول له نفسه أن يقول للمخطئ أخطأت بكل جرأة وصراحة.
خاصة إذا كان هذا المصلح ممن يقال له (فنان) ، فالنظرة للفن وأهله لازالت نظرة قاصرة ولا تتعامل مع (فن التمثيل) كعمل فكري وثقافي له مكانته المحترمة والمؤثرة، بل كعمل شاذ ومنحرف.
لكن أكثر فآت المجتمع ازدراءً للفن بشكل عام وفن التمثيل بشكل خاص هم الإسلاميون الذين يقابلونه بالرفض وينظرون له نظرة دونية تستسخفه ، وتستخفّ بالمنتمين له ، والسؤال المطروح : ماسبب هذه النظرة الدونية التي جعلت الفن مجالاً غير مؤهل للنقد والإصلاح وجعلت العاملين فيه مخلوقات قاصرة غير جديرة بأن تقول رأيها وتساهم في تصحيح الأخطاء
لاشك أن الإسلاميين لا زالوا ينظرون للأعمال الفنية أنها للترفيه والتسلية ، أو أنها مجرد تهريج لا يليق بمسلم عاقل كامل المروءة ، لأن المسلم خلق للعبادة وطلب العلم والحياة الجادة ويجب عليه أن يترفع عن مثل هذه التفاهات والضلالات وفي هذه النظرة ظلم واضح لواحد من أهم المجالات المؤثرة في عصرنا الحالي.
المعروف أن (فن التمثيل ) ليس كالرقص أو كرة القدم مثلاً ، ليس للتسلية والترفيه ، بل هو عملٌ له أسسه المحترمة ولا إسهامات كبيرة في مجال الإصلاح والنقد كما أنه أداة فاعلة ومؤثرة في كثير من مجالات الحياة الاجتماعية والتعليمية والأخلاقية
(فن التمثيل) مجوعة عناصر تجتمع لتشكل عملاً له مضمون ويقدم رسالة ، ومن أهم هذه العناصر (النص المكتوب) ، فكم من رواية أو قصة عظيمة تحولت إلى عمل فني ، (النص) هذا العنصر الأساسي لا يأتي من جهال المجتمع ولا يصدر من أماكن غير محترمه بل يقوم على كتابته في الغالب كتّاب وأدباء لهم مكانتهم الفكرية والثقافية ، إذاً لماذا بمجرد أن يتحول هذا النص إلى عمل فني يقابل بالإهانة والاحتقار؟
ذلك لأن أصحاب النظرة القاصرة لا يرون من العمل الفني إلا (الفنان) أو (الممثل) مع أنه مجرد أداة لنقل النص المكتوب ، ومسألة صلاحه أو انحرافة ليس لها علاقة في العمل الفني ولا تؤثر فيه ..
لذا فإن هذا العداء الواضح لطاش وخاصة لأبطال العمل (ناصر القصبي وعبدالله السدحان) من قبل الإسلاميين ليس له ما يبرره ، وهو عداء شخصي واضح..
أيضاً هناك نقطة مهمة ، وهي أن الدراما بشكل عام وما يقدم في طاش بشكل خاص عبارة عن صورة تمثيلية ، وليست صورة تعبيرية أو إخبارية أو تعليمية ، بمعنى أنها محاكاة لحادثة أو قضية أو واقعة حدثت في المجتمع ، ولهذا فإن الدراما تعتبر أداة محايدة ، ومن الخطأ محاربتها أو رفضها ، بل يجب محاربة الموقف الذي تنقله ، والصادر من مجتمعنا ، من بين أيدينا ومن حولنا ، لأنه الأولى بمحاربته ورفضه وتصحيحه.
من الحماقة أن تأتي بمرآة وتضعها أمام شخص لتريه خطأً في ملبسه أو تشوهاً في وجهه وبدل أن يصحح هذا الخطأ وبدل أن يعالج هذا التشوه ينطلق ليحطم المرآة ويدعي أنها السبب وراء ما يعاني منه!
هناك أيضاً سبب آخر وراء محاربة الإسلاميين لطاش ، وهو ما يسمى بـ(متعة الإلغاء) ، أن تتمكن من منع شيء ما ، أي شيء فأنت صاحب سلطة ، أنت حسب نظرتك ونظرة من يحيطون بك تملك السيادة ، هذا ما يبحث عنه بعض الإسلاميين اليوم (السلطة والسيادة)
المنع ،الإلغاء ، الرفض ، التحريم ، كلها أساليب لاستعراض القوة وأدوات لممارسة السلطة ، لذا فإن أي عمل أو نشاط لا يروق لهم فإن ردة فعلهم الوحيدة هي المنع ، بأي وسيلة
كلنا يتابع (طاش ) منذ سنوات وكلنا يرى نفسه ومجتمعه من خلاله ، ولم نجد طيلة السنوات الماضية ما يحارب ديننا ويهين عاداتنا وتقاليدنا ، ويسخر من مقدساتنا ، لكنني أفاجأ كلما قرأت فتاوى التحريم وكتابات التنديد والاستنكار ، المليئة بالافتراء وتصيد الأخطاء وتضخيمها ، ولنقرأ نص الفتوى:
الحمد لله وحده ، والصلاة على من نبي بعده وبعد :- فنظراً لكثرة التشكيات والاستفتاءات على مدى ست سنوات متواليات من عام 1416هـ إلى عام 1421هـ بشأن مسلسلات ( طاش ما طاش ) لما فيها من مخالفات للشرع المطهر والآداب والقيم ويمكن إجمال ما لاحظه الناصحون والمستفتون على المسلسلات المذكورة على النحو الآتي :
1- السخرية بأهل الخير والصلاح وإلصاق المعايب بهم .
2- خروج المرأة مع الرجال الأجانب وما يتبع ذلك من اختلاط وتبرج وسفور وخضوع بالقول وغير ذلك .
3- العمل عل
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ